يشهد لبنان مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها العوامل الأمنية بالسياسية، والداخلية بالخارجية، في ظل تصاعد الضغوط على الدولة والجيش معاً.
فبين مواجهات ميدانية شرسة في الداخل، وانقسامات سياسية حول مستقبل السلاح وقرار الحرب، وارتفاع وتيرة الاستهداف الإسرائيلي، يجد لبنان نفسه في قلب معادلة دقيقة تفرض تحديات غير مسبوقة على مؤسساته، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
هذا المشهد المتداخل يكشف حجم المأزق الذي يعيشه البلد، ويضعه أمام مفترق طرق تتصارع فيه الإرادات الإقليمية والدولية، فيما يبقى الأمن والاستقرار على المحك.
الجيش تحت النار… وتحديات تتضاعف
أظهر الاعتداء على دورية للجيش في بعلبك حجم التعقيدات الأمنية التي يواجهها في الداخل. فالجيش يلاحق المطلوبين وتجار المخدرات بحزم، رغم الضغوط السياسية والإعلامية القادمة من إسرائيل وبعض الدوائر في واشنطن.
مصادر أمنية أكدت لصحيفة الشرق الأوسط أنّ المؤسسة العسكرية تعمل بلا خطوط حمراء وبلا مراعاة لأي حسابات سياسية، وأن العمليات مستمرة على امتداد البلاد لضبط الأمن ومنع عودة الجريمة المنظّمة.
وقد دفع الحزم الذي أظهره الجيش العديد من المطلوبين إلى التواري عن الأنظار، فيما تواصل القوى العسكرية تنفيذ عملياتها رغم الضغوط الداخلية والخارجية. وفي المقابل، تتصاعد الحملات الإسرائيلية ضد الجيش، رغم الإشادات الدولية—ومنها القيادة الوسطى الأميركية واللجنة الخماسية—بالدور الذي يضطلع به في الجنوب وتطبيق القرارات السياسية اللبنانية.
انقسام سياسي يعطّل المفاوضات
تقدم صحيفة اللواء قراءة مختلفة للمشهد، إذ ترى أنّ التجاذب بين مؤيدي حصر السلاح بيد الدولة وبين حزب الله، الرافض للتسليم والمدعوم إيرانياً، يمنح إسرائيل الذريعة لمواصلة احتلال بعض النقاط في الجنوب والقيام بعدوانها المتكرر.
وتشير الصحيفة إلى أنّ مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لفتح باب التفاوض عبر مسار واضح حلّلتها غالبية القوى السياسية إيجاباً، فيما رفضها حزب الله منفرداً. ويعتبر رئيس البرلمان نبيه بري أنّ أي مفاوضات يجب أن تتم حصراً عبر لجنة “الميكانيزم”. هذا التباين، بحسب اللواء، يعكس ضعف الدولة وعجزها عن صياغة موقف موحد يسمح لها بالضغط الدولي أو الدفاع عن مصالحها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
“حزب الله” والقضية الأساسية للدولة
في تحليل أعمق، ترى صحيفة نداء الوطن أنّ جوهر الأزمة ليس في إسرائيل بحد ذاتها، بل في السلاح غير الشرعي الذي يمنع الدولة من بسط سلطتها. وتقول الصحيفة إنّ الدولة أعلنت بوضوح في قراري 5 و7 آب أنّ السلاح الشرعي يجب أن يكون حكراً عليها، لكن التصريحات السياسية ما زالت تعيد إنتاج الخطاب السابق للقرار، مما يوفّر غطاءً غير مباشر لسلاح الحزب.
وترى نداء الوطن أنّ المواجهة الفعلية اليوم ليست بين دولتين، بل بين إسرائيل وذراع إيرانية مسلّحة تعمل خارج سلطة الدولة اللبنانية. ومن هنا، فإن أي حديث عن مواجهة إسرائيل قبل نزع السلاح غير الشرعي هو دوران في حلقة مفرغة، لأن السلاح هو السبب الأساسي للصدامات والاعتداءات، بينما الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة.
رسائل إسرائيلية متعددة الاتجاهات
وتعود الشرق الأوسط في تقرير آخر لنقل قراءة العميد المتقاعد ناجي ملاعب للاستهداف الإسرائيلي لمخيم عين الحلوة، والذي اعتبره يحمل رسائل مباشرة لحركة حماس بعد موقفها من خطة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. ويرى ملاعب أن إسرائيل تعتمد نمطاً متكرراً يستهدف المخيمات الفلسطينية بهدف الضغط على بيئات اللاجئين.
ويضيف أن الاستهداف يحمل أيضاً رسالة للدولة اللبنانية مفادها أن السلاح داخل المخيمات ما زال فاعلاً، بالتزامن مع ضغوط أميركية ظهرت في إلغاء زيارة قائد الجيش إلى واشنطن. ويتوقف ملاعب عند الحادثة التي أصابت حافلة طلاب قرب الطيري في الجنوب، معتبراً أنها جزء من سياسة الضغط النفسي ضمن منظومة استهداف البنى التحتية والمجتمع الجنوبي، بالتوازي مع طلب لجنة “الميكانيزم” من الجيش الدخول إلى المنازل وتفتيشها.
ويخلص ملاعب إلى أن ما يجري يعكس مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي المتعدد المستويات، في وقت يصارع فيه لبنان للحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار وسط الانقسام السياسي الداخلي.

