علمت “الشرق الأوسط” من مصادر سياسية أن المحادثات التي أجراها رئيس الحكومة نواف سلام مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم تقتصر على استعداد باريس لتوفير الغطاء السياسي اللازم لتمديد مهمة قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) في جنوب لبنان، بل تطرقت أيضًا إلى الأسباب العميقة وراء تعثّر تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي التزم به لبنان في حين امتنعت إسرائيل عن تطبيقه.
ووفق المصادر، فإن ماكرون، رغم تأكيده دعم بلاده للبنان، شدد على أن تجديد مهمة “يونيفيل” يجب أن يتزامن مع التزام رسمي من الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح، من خلال قرار واضح يصدر عن مجلس الوزراء، لأن مجرّد إعلان النيات لم يعد كافيًا من دون خطة تنفيذية ملموسة. هذا القرار من شأنه أن يعزز موقف لبنان دوليًا، ويعيد تفعيل الضغط على إسرائيل للامتثال لاتفاق وقف النار والانسحاب من الجنوب، تمهيدًا لتطبيق القرار 1701 وبسط الدولة سيادتها الكاملة على أراضيها.
وترى باريس أن استمرار الوضع الراهن، حيث يُستخدم السلاح خارج إطار الدولة، أدى إلى اختلال ميزان الردع مع إسرائيل، وساهم في انهيار قواعد الاشتباك لمصلحتها، ما حول هذا السلاح إلى عبء حقيقي على اللبنانيين.
وأكدت المصادر أن التباطؤ في اتخاذ قرار بشأن حصرية السلاح قد يعرض لبنان لمزيد من التصعيد، في ظل استمرار إسرائيل بتوسيع خروقها واعتداءاتها، رغم نفي بعض الجهات الرسمية تلقي الحكومة تحذيرات دولية من نوايا إسرائيلية لشن حرب جديدة.
وبحسب المصادر، أجرى سلام، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، سلسلة اتصالات واسعة لاستطلاع مدى استعداد القوى السياسية داخل الحكومة لتأمين التوافق السياسي – وليس العددي فقط – لعقد جلسة حكومية تتخذ قرارًا واضحًا في شأن حصرية السلاح. وقد بدأ هذه الاتصالات بلقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، ثم استقبل الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فيما لا يزال الحوار قائمًا بين عون ورئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، رغم بطئه، وسط تمسك عون بموقفه وعدم التراجع عنه.
وتشير المعلومات إلى أن لقاء سلام – بري يندرج في إطار تهيئة الظروف المناسبة لعقد جلسة وزارية يُطرح فيها موضوع حصرية السلاح، تلبية لمطالب المجتمع الدولي الذي يعتبر أن المواقف السابقة غير كافية ما لم تُترجم بقرار رسمي من الحكومة، مع دعم من “حزب الله” الذي تجنّب حتى الآن التطرق لهذا الملف علنًا.
كما تفيد المصادر بأن سلام يتريث في دعوة الحكومة للاجتماع من دون نيل موافقة مسبقة من “الثنائي الشيعي” لضمان عدم تفجير أزمة سياسية في السنة الأولى من عمر العهد الجديد، لا سيما أن انقسامًا كهذا قد يحول الحكومة إلى هيئة لتصريف الأزمات بدل أن تكون فاعلة في معالجتها.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر رسمية للصحيفة أن لبنان، بانتظار رد الوسيط الأميركي توم برّاك على ملاحظات الرؤساء الثلاثة بشأن مقترحاته لتثبيت وقف إطلاق النار، استبق الجواب بسلسلة مواقف تصب في اتجاه المطالبة بجلسة حكومية تتبنى قرار حصرية السلاح.
ولم تستبعد المصادر قيام برّاك بزيارة رابعة إلى بيروت، رغم أن الأجواء لا توحي بتغير في الموقف الأميركي الذي عبر عنه الموفد الرئاسي دونالد ترمب، والذي تعرض لانتقادات نيابية حادة بسبب ازدواجية مواقفه، إذ اعتبر “حزب الله” في العلن منظمة إرهابية بجناحيه السياسي والعسكري، بينما وصفه في لقاءاته المغلقة بحزب سياسي لبناني.
وتساءلت المصادر النيابية عن جدوى وصف برّاك لقاءه الثاني مع بري بأنه “إيجابي وممتاز”، في وقت تجاهل فيه مطالبته بتقديم ضمانات أميركية تلزم إسرائيل بوقف إطلاق النار، كشرط لفتح قنوات تواصل بين بري و”حزب الله” لمناقشة الآلية المقترحة، بدلاً من مواصلة إسرائيل الضغط العسكري لفرض شروطها على لبنان.
وأضافت: هل يُعقل ألا يزور تل أبيب في إطار مهمته كوسيط، بينما زار بيروت ثلاث مرات متتالية؟ ألا يعني ذلك أنه تراجع عن حياده استجابةً لضغوط من الإدارة الأميركية التي تبنّت الموقف الإسرائيلي بالكامل؟
وعليه، فإن الإجماع الدولي على ضرورة حصرية السلاح، وإن كان يراعي مطلب لبنان بالحصول على ضمانات لانسحاب إسرائيل، لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها، خاصة في ظل تحذيرات واشنطن من فقدان اهتمامها بملف لبنان إذا لم يتحرك. ويرى مصدر معارض بارز أن “حزب الله” مدعو لاتخاذ قرار شجاع بالنزول من أعلى الشجرة والانضمام إلى مشروع الدولة قبل فوات الأوان، إذ إن المهلة الدولية المتاحة للبنان تبدو قصيرة، وقد لا تتكرر.

